بعد 40 عاماً من الرصد.. هابل يكشف مفاجأة جوية عند القطب الجنوبي لزحل

بعد 40 عاماً من الرصد.. هابل يكشف مفاجأة جوية عند القطب الجنوبي لزحل

كشف تلسكوب هابل الفضائي عن ظاهرة جوية غير مسبوقة في النصف الجنوبي لكوكب زحل، تتمثل في موجة عملاقة ذات شكل عشري الأضلاع تحيط بالقطب الجنوبي للكوكب. ويمنح الاكتشاف العلماء فرصة نادرة لمتابعة تطور بنية جوية ضخمة قد تساعد في فهم ديناميكيات الغلاف الجوي للكواكب الغازية العملاقة.

تكوين عشري الأضلاع يظهر للمرة الأولى على زحل

رصد تلسكوب هابل، الذي تديره وكالة ناسا الأميركية بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية، موجة جوية متطورة تتخذ شكلاً منتظماً من عشرة أضلاع داخل منطقة القطب الجنوبي لزحل.

وتُعد هذه المرة الأولى التي يرصد فيها العلماء نمطاً نفاثاً منتظم الأضلاع من هذا النوع في نصف الكرة الجنوبي للكوكب.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة «ساينس أدفانسز» العلمية. وأظهر التكوين الجديد بعض أوجه التشابه مع الشكل السداسي الشهير المحيط بالقطب الشمالي لزحل، والذي ظل مستقراً لعقود، إلا أن الباحثين سجلوا اختلافات مهمة بين الظاهرتين.

اختلاف عن سداسي القطب الشمالي

قالت إيمي سيمون، الباحثة المشاركة في الدراسة والمسؤولة الرئيسية عن برنامج «أوبال» (OPAL) لرصد الأغلفة الجوية للكواكب الخارجية في مركز غودارد للطيران الفضائي التابع لناسا بولاية ماريلاند، إنها لم تشاهد سابقاً ظاهرة مماثلة في النصف الجنوبي من زحل.

وأوضحت أن السداسي الشمالي ظل مستقراً في كل مرة جرى رصده فيها على مدى أكثر من 40 عاماً، بينما يبدو التكوين الجنوبي الجديد مختلفاً، إذ تشير البيانات إلى أنه يزداد قوة تدريجياً.

ويتيح ذلك للعلماء فرصة لم تكن متاحة مع السداسي الشمالي، تتمثل في متابعة نشوء وتطور نمط جوي عملاق أثناء حدوثه.

علماء فلك هواة ساهموا في بداية الاكتشاف

لم يبدأ اكتشاف الظاهرة الجديدة مع هابل مباشرة، بل جاءت أولى الإشارات من عمليات رصد أرضية بالتزامن مع التغيرات الموسمية على زحل، والتي أعادت القطب الجنوبي للكوكب تدريجياً إلى مجال الرؤية من الأرض.

وتمكن علماء فلك هواة من التقاط ملامح أولية للتكوين عبر صور جمعتها مراصد أرضية في مناطق مختلفة من العالم.

وأوضح أغوستين سانشيز-لافيغا، الباحث في جامعة إقليم الباسك بإسبانيا والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن الصور جُمعت من خلال موقع «مختبر المرصد الفلكي الكوكبي الافتراضي»، الذي تديره الجامعة ويستقبل مساهمات من هواة الرصد الفلكي حول العالم.

الإشارات الأولى ظهرت في 2024

بحسب سانشيز-لافيغا، مكّنت هذه البيانات فريقه، بالتعاون مع الراصدين الهواة تريفور باري وجان بول أوجيه، من ملاحظة شريط متموج ودقيق قرب القطب الجنوبي لأول مرة في عام 2024.

وعززت صور أرضية إضافية التُقطت خلال 2025 احتمال وجود بنية مكتملة ذات عشرة أضلاع، ما دفع الباحثين إلى الاستعانة ببيانات تلسكوب هابل للحصول على صور أكثر دقة بعيداً عن تأثيرات الغلاف الجوي للأرض.

وأشار سانشيز-لافيغا إلى أن العلماء يبحثون في صور هابل منذ عام 1990 عن نظير جنوبي للسداسي الموجود في الشمال، خصوصاً في ظل أوجه التناظر المعروفة بين التيارات النفاثة في نصفي زحل.

ولم تكشف مركبة كاسيني، التي دارت حول زحل بين عامي 2004 و2017، عن دليل واضح على وجود تكوين طويل الأمد من هذا النوع. لكن مراجعة بيانات هابل أتاحت للباحثين تتبع مؤشرات الظاهرة الجديدة وصولاً إلى عام 2023.

موجة تمتد عبر طبقات الغلاف الجوي

أظهرت الدراسة أن الموجة العشرية تستقر داخل أحد التيارات النفاثة القوية في زحل، كما تمتد عبر عدة طبقات من غلافه الجوي.

وتشير هذه النتيجة إلى أن التكوين ليس مجرد نمط ظاهر فوق السحب، وإنما قد يمثل بنية جوية ذات امتداد عمودي أعمق.

ولاحظ الباحثون كذلك أن الموقع الظاهري للشكل العشري يتغير بصورة طفيفة بين الصور المختلفة. ويرجع ذلك إلى استخدام هابل أطوالاً موجية متعددة، يكشف كل منها مستويات مختلفة من الارتفاع داخل الغلاف الجوي للكوكب.

هابل وجيمس ويب لمتابعة الظاهرة الجديدة

يرى الفريق العلمي أن تحديد كيفية نشوء التكوين العشري ومدة بقائه، إضافة إلى معرفة مدى تشابهه مع سداسي القطب الشمالي، يتطلب استمرار عمليات المراقبة.

ومن المتوقع أن يعتمد العلماء على تلسكوب هابل وتلسكوب جيمس ويب الفضائي، الذي تشارك في تشغيله ناسا ووكالتا الفضاء الأوروبية والكندية، إلى جانب استخدام نماذج حاسوبية متخصصة لتحليل حركة الغلاف الجوي لزحل.

عقود من البيانات تكشف تغيرات لا تظهر في صورة واحدة

يبرز الاكتشاف أهمية العمر التشغيلي الطويل لتلسكوب هابل، إذ تسمح البيانات الممتدة لعقود بمقارنة حالة الكواكب في فترات زمنية مختلفة، بدلاً من الاعتماد على صور منفردة.

ومن خلال برنامج «أوبال»، يستطيع الباحثون تتبع التغيرات الموسمية للكواكب الخارجية، ومراقبة العواصف قصيرة العمر، واكتشاف ظواهر جوية تتطور ببطء على مدى سنوات.

وقال مايك وونغ، الباحث المشارك في الدراسة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، إن فريق «أوبال» توقع منذ انطلاق البرنامج ظهور مفاجآت علمية مهمة من دون معرفة طبيعتها مسبقاً. وأوضح أن عدداً من اكتشافات البرنامج لم ينتج عن عملية رصد واحدة، وإنما عن تراكم البيانات على مدى سنوات.

هل يصبح الشكل العشري ظاهرة دائمة؟

يعتزم الباحثون مواصلة مراقبة زحل لمعرفة ما إذا كان التكوين العشري سيستقر ويتحول إلى ظاهرة طويلة الأمد تشبه السداسي الشمالي، أم سيواصل التطور قبل أن يتغير أو يختفي.

وقد تساعد عمليات الرصد المقبلة في تحديد القوى التي تحرك هذه الموجة، وفهم آليات التيارات النفاثة في أجواء الكواكب العملاقة. كما قد توفر المقارنة مع الظواهر الجوية على الأرض تصوراً أوسع للطريقة التي تتشكل بها الأنظمة الجوية المعقدة في بيئات كوكبية مختلفة.

ويضيف الاكتشاف فصلاً جديداً إلى عقود من دراسة زحل، مؤكداً أن الكوكب لا يزال قادراً على مفاجأة العلماء بظواهر لم تكشفها عمليات الرصد السابقة، رغم مراقبته المستمرة منذ عشرات السنين.

author

Hisham Matar

يكتب هشام مطر في AlwafaNews.com حول الأخبار والشؤون العامة، مع اهتمام بتقديم تغطية واضحة وموثوقة للأحداث والتطورات الراهنة. يركّز على نقل المعلومات بدقة وتبسيط القضايا المهمة للقرّاء، مع متابعة موضوعات متنوعة تشمل السياسة والاقتصاد والتقنية والرياضة والثقافة.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *